من لوزيعة إلى الدراز.. هكذا يحتفل الجزائريون بـ يناير 2976

تبدأ قصة يناير في البيوت الجزائرية برائحة زكية تملأ الأرجاء؛ إنها رائحة “الخفاف” (الإسفنج) الذي يفتتح به الجزائريون عامهم الأمازيغي الجديد. ففي صبيحة يناير، تتسابق النسوة لتحضير هذه الفطائر الذهبية الهشة، ليس فقط كوجبة لذيذة، بل كرمز روحي يعبر عن التفاؤل؛ فالعجينة التي تنتفخ وتخفّ في الزيت تجسد أمنيات العائلة بأن تمرّ السنة الجديدة “خفيفة” على القلوب، بعيدة عن المحن والأثقال، ومليئة باليسر والبركة.

ومن طقوس “الخفة” إلى أسمى آيات التكافل، تأتي “لوزيعة” (أو ثيمشرط) لتعلن عن وحدة المجتمع وتلاحمه. هذا التقليد الضارب في القدم يقوم على ذبح الأنعام بجهد جماعي وتوزيع حصص اللحوم بالتساوي بين جميع سكان القرية أو الحي، دون تفريق بين ميسور ومحتاج. إنها “ملحمة يناير” الاجتماعية التي تُطهّر النفوس، وتكرس قيم المساواة والتعاون، وتؤكد أن رأس السنة الأمازيغية ليس مجرد طعام، بل هو ميثاق أخلاقي يتجدد كل عام تحت شعار “الجميع للفرد، والفرد للجميع”.

أما بهجة يناير الكبرى، فتتجسد في طقس “دراز الأطفال”؛ حيث يتحول الصغار إلى ملوك الاحتفال. يُوضع أصغر طفل في العائلة داخل “قصعة” خشبية كبيرة، لتمطر فوق رأسه “أمطار” من الحلويات، التمر، والمكسرات (التراز). هذا المشهد الساحر يختصر فلسفة يناير في استسقاء الخير؛ فكما تنهمر الحلوى فوق رأس الطفل، يرجو الأهل أن تنهمر الأرزاق والبركات على مسيرة حياته، وليشبّ الطفل وهو يدرك أن أرضه وثقافته هي مصدر كل حلاوة ورزق.

إن هذه الثلاثية (الخفاف، لوزيعة، والدراز) هي التي تمنح لعام 2976 نكهته الجزائرية الخاصة، حيث يمتزج فيها الفأل الحسن بالتضامن الإنساني وفرحة الأجيال. وبجانب مائدة “الكسكس بسبع خضار” التي ترمز لوفرة المحاصيل، يظل يناير أكثر من مجرد تاريخ في التقويم؛ إنه رحلة سنوية تعيد الجزائريين إلى جذورهم، وتجدد ارتباطهم بالأرض وبقيم الأجداد التي ترفض النسيان، لتؤكد أن الهوية الأمازيغية هي الروح النابضة في قلب الجزائر.

Relatetd Post

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *